محمد الحميدي
197
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
العبّاس أحمد بن الحسن الرّازي بمكّة ، قال : سمعت أبا أحمد عبد اللّه بن عديّ ، يقول : سمعت عدّة مشايخ يحكون « 1 » : أنّ محمد بن إسماعيل البخاريّ قدم بغداد ، فسمع به أصحاب الحديث ، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر ، وإسناد هذا المتن لمتن آخر ، ودفعوا إلى عشرة أنفس ، إلى كلّ رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاريّ ، وأخذوا الموعد للمجلس ، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ، ومن البغداديّين ، فلمّا اطمأنّ المجلس بأهله ، انتدب إليه رجل من العشرة ، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث ، فقال البخاريّ : لا أعرفه ، فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه ، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتّى فرغ من عشرته ، والبخاريّ يقول : لا أعرفه . فكان الفهماء « 2 » ممّن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون : الرجل فهم ، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاريّ بالعجز والتقصير وقلة الفهم . ثم انتدب رجل آخر من العشرة ، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة ، فقال البخاريّ : لا أعرفه ، فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه ، فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه ، فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد آخر ، حتى فرغ من عشرته ، والبخاريّ يقول : لا أعرفه . ثم انتدب له الثالث ، والرابع ، إلى تمام العشرة ، حتّى فرغوا كلّهم من الأحاديث المقلوبة ، والبخاريّ لا يزيدهم على : لا أعرفه . فلمّا علم البخاريّ أنهم قد فرغوا ، التفت إلى الأول منهم ، فقال : أمّا حديثك الأول فهو كذا ، وحديثك الثاني فهو كذا ، والثالث ، والرابع ، على الولاء ، حتّى أتى على تمام العشرة ، فردّ كلّ متن إلى إسناده ، وكلّ إسناد إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثل ذلك ، وردّ متون الأحاديث كلّها إلى أسانيدها ،
--> ( 1 ) ذكر الخطيب البغدادي هذه الحكاية المشهورة في ترجمة البخاري من تاريخه . ( 2 ) قرأها الشيخ الطنجي : « العلماء » وهي قراءة غير موفقة .